عبد الملك الخركوشي النيسابوري

34

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال الخراز : إنّ العارف إلى أن يصل يستعين بكل شئ ، فإذا وصل استغنى باللّه عن غيره ، وافتقر الناس إليه . وقال الجوزجاني « 1 » : العارف جعل كلّ قلبه لمولاه ، وسائر جسده لخلقه . وقال يحيى بن معاذ « 2 » : حق على العارف أن يصدق ربّه عزّ وجلّ فيما يعامله ، لئلا يسقط من عينه . قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : بم عرفت ربكّ ؟ قال : أعرفه بما تعرف إلى من غير رؤية ، وأصفه بما وصف نفسه من غير صورة . وقال بعضهم : المعرفة فناء العبد عن رؤية الخلق والنفس . وقيل لأبى يزيد البسطامي : ما صفة العارف ؟ قال : صفته صفة أهل النّار ، لا يموت فيها ولا يحيى . وقيل لبعضهم : ما حقيقة المعرفة ؟ قال : إذا عرف أنه لا يعرف فهو عارف . ويقال : اختار العارف ثلاثا ؛ اختار الحق على الباطل ، واختار العقل على الجهل ، واختار حبّ اللّه على حبّ خلقه . وقيل : العارف لا يخلو قلبه من حبّ اللّه عزّ وجلّ ، ولا يخلو لسانه من ذكر اللّه ، ولا تخلو نفسه من خدمة اللّه . وقيل ليحيى بن معاذ : هل شئ أفضل من العافية ؟ قال : نعم ، معرفة الربّ عزّ وجلّ . وقيل : سرّ العارف مكتوم مكتوب تحت العرش في المملكة ، مكشوف فوق العرش مسطور عند مالك المملكة ، وهو ناطق بلسان مناجاته . وقال : إذا سكت العارف يريد أن لا ينطق إلا عند معروفه ، وإذا نطق أغمض يريد أن لا يفتح عينه إلا عند لقائه ، وإذا وضع رأسه على ركبته يريد أن لا يرفع إلى أن ينفخ في الصور من شدة الأنس به . ويقال : العارف لا يأمن مكره به ما دام في حبسه ، فهو باك من نفسه على نفسه ومتبشر بروحه إلى اللّه عزّ وجلّ .

--> ( 1 ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق . ( 2 ) الرازي .